ابن ميمون

137

دلالة الحائرين

ما قد بينّاه . وينبغي أن أبيّن لك أولا كيف هي السوالب صفات على جهة ما وبأي شيء تفارق صفات الإيجاب وبعد ذلك أبيّن لك كيف ليس لنا طريق في وصفه إلا بالسوالب لا غير . فأقول : إن الصفة ليست هي التي تخصّص الموصوف فقط حتى لا يشترك في تلك الصفة مع غيره ، بل الصفة قد تكون أيضا صفة للموصوف ، وإن كان يشترك فيها مع غيره ، ولا يحصل بها تخصيص . مثال ذلك ، إن رأيت انسانا على بعد ، فسألت وقلت : ما هذا المرئىّ ؟ فقيل لك حيوان ، فهذه صفة بلا شك لهذا « 1600 » المرئىّ . وإن كان لم تخصصه من كل ما سواه ، لكنه حصل بها تخصيص ما ، وهو أن هذا المرئىّ ليس هو جسما من / نوع النبات ، ولا من نوع المعادن « 1601 » كذلك أيضا إذا كان في هذه الدار انسان وعملت أن فيها جسم [ ا ] ما ، غير أنك لا تعلم ما هو ، فسألت وقلت ما في هذه الدار ؟ فقال لك المجيب : ليس فيها معدن ولا جسم نبات ، فقد حصل تخصيص ما . وعلمت أن فيها حيوان [ ا ] وإن لم تعلم أي حيوان هو فبهذه الجهة تشارك صفات السلب لصفات الإيجاب ، لأنها لا بد أن تخصص تخصيصا ما ، ولو لم يكن فيها من التخصيص الا إزالة ما سلب من جملة ما كنّا نظنّه غير مسلوب . واما الجهة التي تفارق بها صفات السلب لصفات الايجاب ، فان صفات الايجاب وان لم تخصص ، فإنها تدلّ على جزء من جملة الشيء المطلوب معرفته . اما جزء جوهره أو عرض من أعراضه . وصفات السلب لا تعرّفنا شيئا بوجه من الذات المطلوب علمها ما هي ، الا إن كان ذلك بالعرض ، كما مثلنا . وبعد هذه المقدمة . أقول : إن اللّه عز وجل قد تبرهن أنه واجب الوجود لا تركيب فيه ، كما سنبرهن . وليس ندرك إلا إنّيّته فقط ، لا ماهيته ، فيستحيل أن تكون له صفة ايجاب ، لأنه لا إنيّة له خارجا عن ماهيته ، فتدل الصفة على إحداهما .

--> ( 1600 ) جسما : ت ، جسم : ج ( 1601 ) المعادن : ت ، المعدن : ج